كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقال في المغني: وليس في هذا اختلاف نعلمه، وأما إن كان التي وطئها ليلًا زمن الصوم هي الزوجة المظاهر منها، فقد اختلف في ذلك أهل العلم: فقال بعضهم: ينقطع التتابع بذلك ويلزمه استئناف الشهرين. وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وهو مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنهما.
وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: وإن أصابها في ليال الصوم أفسد ما مضى من صيامه وابتدأ الشهرين، ما نصه: وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، لأن الله تعالى قال: {فَصيَامُ شَهْرَيْن مُتَتَابعَيْن من قَبْل أَن يَتَمَآسَّا} [المجادلة: 4] فأمر بهما خاليين عن وطء، ولم يأت على ما أمر، فلم يجزئه، كما لو وطئ نهارًا ولأنه تحريم للوطء لا يختص بالنهار فاستوى فيه الليل والنهار كالاعتكاف.
وروى الأثرم عن أحمد أن التتابع لا ينقطع بهذا ويبني، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، لأنه وطء لا يبطل الصوم، فلا يوجب الاستئناف كوطء غيرها، ولأن التتابع في الصيام عبارة عن إتباع صوم يوم للذي قبله من غير فارق، وهذا متحقق، وإن وطء ليلًا، وارتكاب النهي في الوطء قبل إتمامه إذا لم يخل بالتتابع المشترط لا يمنع صحته وإجزاءه كما لو وطئ قبل الشهرين، أو وطئ ليلة أول الشهرين، وأصبح صائمًا، والإتيان بالصوم قبل التماس في حق هذا لا سبيل إليه، سواء بني أو استأنف. انتهى محل الغرض من كلام صاحب المغني، وممن قال بهذا القول: أبو يوسف.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا القول الأخير الذي هو عدم انقطاع التتابع بجماعه للمظاهر منها في ليال الصوم هو الأظهر عندي. لأن الصوم فيه مطابق لمنطوق الآية في التتابع، لأن الله تعالى قال: {فَصيَامُ شَهْرَيْن مُتَتَابعَيْن}.
[المجادلة: 4]، وهذا قد صام شهرين متتابعين، ولم يفصل بين يومين منهما بفاصل، فالتتابع المنصوص عليه واقع قطعًا كما ترى، وكون صومهما متتابعين قبل المسيس واجب بقوله تعالى: {من قَبْل أَن يَتَمَآسَّا} [المجادلة: 4] لا يظهر أنه يبطل حكم التتابع الواقع بالفعل، ومما يوضحه ما ذكرنا آنفًا في كلام صاحب المغني من أنه لو جامعها قبل شروعه في صوم الشهرين، ثم صامهما متتابعين بعد ذلك، فلا يبطل حكم التتابع بالوطء قبل الشروع في الصوم، ولا يقتضي قوله تعالى: {من قبل أن يتماسا} بطلانه والعلم عند الله تعالى.
الفرع العاشر: اعلم أنه إن جامع المظاهر منها في نهار صوم الكفارة ناسيًا. فقد اختلف أهل العلم هل يعذر بالنسيان فلا ينقطع حكم التتابع أو لا يعذر به ويلزمه الاستئناف، فقال بعضهم: لا يعذر بالنسيان، وينقطع التتابع بوطئه ناسيًا وهذا مذهب مالكن وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عند أحمد، ومن حجتهم: أن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان وقال بعضهم: يعذر بالنسيانن ولا ينقطع حكم التتابع بوطئه ناسيًا وهو قول الشافعي، وأبي ثور وابن المنذر، قالوا: لأنه فعل المفطر ناسيًا، فأشبه ما لو أكل ناسيًا. اهـ.
وهذا القول له وجه قوي من النظر، لأن الله تعالى يقول: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فيمَآ أَخْطَأْتُمْ به ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] الآية، وقد قدمنا من حديث ابن عباس، وأبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخذْنَا إن نَّسينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 268] قال الله تعالى: نعم قد فعلت.
الفرع الحادي عشر: إن أبيح له الفطر لعذر يقتضي ذلك، وقلنا إن فطر العذر لا يقطع حكم التتابع فوطئ غيرها نهارًا لم ينقطع التتابع، لأن الوطء لا أثر له في قطع التتابع، لأن أصل الإفطار لسبب غيره، وإن كانت الموطوءة نهارًا هي المظاهرة منها جرى على حكم وطئها ليلًا، وقد تكلمنا عليه قريبًا، قال ذلك صاحب المغني، ووجهه ظاهر، وقال أيضًا؛ وإن لمس المظاهر منها أو باشرها فيما دون الفرج على وجه يفطر به قطع التتابع لإخلاله بموالاة الصيام، وإلا فلا يقطع والله تعالى أعلم. اهـ. ووجهه ظاهر أيضًا.
الفرع الثاني عشر: أجمع العلماء على أن المظاهر إن لم يستطع الصوم انتقل إلى الإطعام، وهو إطعام ستين مسكينًا، وقد نص الله تعالى على ذلك بقوله: {فَمَن لَّمْ يَجدْ فَصيَامُ شَهْرَيْن مُتَتَابعَيْن من قَبْل أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطعْ فَإطْعَامُ ستّينَ مسْكينًا} [المجادلة: 4].
ومن الأسباب المؤدية إلى العجز عن الصوم الهرم وشدة الشبق، وهو شهوة الجماع التي لا يستطيع صاحبها الصبر عنه، ومما يدل على أن الهرم من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم ما جاء في قصة أوس بن الصامت الذي نزلت في ظهاره من امرأته آية الظهار، ففي القصة من حديث خولة بنت مالك بن ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، ونزل في ذلك قوله تعالى: {قَدْ سَمعَ الله قَوْلَ التي تُجَادلُكَ في زَوْجهَا} [المجادلة: 1] الآيات، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعتق رقبة يعني زوجها أوسًا» قالت: لا يجد، قال: «يصوم شهرين متتابعين؟» قالت: يا رسول الله: إني شيخ كبير ما به من صيام، قال: «فليطعم ستين مسكينًا» الحديث، ومحل الشاهد منه أنها لما قالت: له: إنه شيخ كبير اقتنع صلى الله عليه وسلم بأن ذلك عذر في الأنتقال، عن الصوم إلى الإطعام، فدل على أنه سبب من أسباب العجز عنهن والحديث وإن تكلم فيه، فإنه لا يقل بشواهده عن درجة الاحتجاج.
وأما الدليل على أن شدة الشبق عذر كذلك هو ما جاء في حديث سلمة بن صخر الذي تكلمنا عليه سابقًا في هذا المبحث، أنه قال: كنت امرءًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فرقًا من أن أصيب في ليلتي شيئًا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار. الحديث وفيه قال: «فصم شهرين متتابعين» قال: قلت يا رسول الله وهل أصابني من أصابني إلا في الصوم. قال: «فتصدق» ومحل الشاهد منه أنه لما قال له: صم شهرين أخبره أن جماعة في زمن الظهار، إنما جاءه من عدم صبره عن الجماع، لأنه ظاهر من امرأته، خوفًا من أن تغلبه الشهوة، فيجامع في النهار، فلما ظاهر غلبته الشهوة، فجامع في زمن الظهار، فاقتنع صلى الله عليه وسلم بعذره، وأباح له الانتقال إلى الإطعام، وهذا ظاهر.
وقال ابن قدامة في المغني: بعد أن ذكر أن الهرم، والشبق كلاهما من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم للدليل الذي ذكرنا آنفًا، وقسنا عليهما ما يشبههما في معناهما.
الفرع الثالث عشر: أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه لا يجزئ في الإطعام أقل من إطعام ستين مسكينًا وهو مذهب مالك، والشافعي، والمشهور من مذهب أحمد خلافًا لأبي حنيفة القائل: بأنه لو أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا أجزأه، وهو رواية عن أحمد، وعلى هذا يكون المسكين في الآية مأولا بالمد، والمعنى فإطعام ستين مدًا، ولو دفعت لمسكين واحد في ستين يومًا.
وإنما قلنا: إن القلو بعدم إجزاء أقل من الستين هو الأظهر، لأن قوله تعالى: {مسكينًا} تمييز لعدد هو الستون، فحمله على مسكين واحد خروج بالقرآن عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل يجب الرجوع إليه، وهو لا يصح، ولا يخف أن نفع ستين مسكينًا أكثر فائدة من نفع مسكين واحد في ستين يومًا، لفضل الجماعة، وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن إليهم بالإطعام فيكون ذلك أقرب إلى الإجابة من دعاء واحد، وستون جمع كثير من المسلمين لا يخلو غالبًا من صالح مستجاب الدعوة فرجاء الاستجابة فيهم أقوى منه في الواحد كما لا يخفى، وعلى كل حال فقوله تعالى في محكم كتابه:
{فَمَن لَّمْ يَسْتَطعْ فَإطْعَامُ ستّينَ مسْكينًا} [المجادلة: 4] لا يخفى فيه أن قوله: فإطعام ستين مصدر مضاف إلى مفعوله، فلفظ: ستين الذي أضيف إليه المصدر، هو عين المفعول به الواقع عليه الإطعام، وهذا العدد الذي هو المفعول به للإطعام، مبين بالتمييز الذي هو قوله تعالى: {مسكينًا} وبذلك يتحقق أن الإطعام في الآية واقع على النفس العدد الذي هو ستونن فالاقتصار به على واحد خروج بنص القرآن عن ظاهره المتبادر منه بلا دليل يجب الرجوع إليه كما ترى، وحمل المسكين في هذه الآية الكريمة على المد من أمثلة المالكية والشافعية في أصولهم لما يسمونه التأويل البعيد والتأويل الفاسد، وقد أشار إلى ذلك صاحب مراقي السعود بقوله:
فجعل مسكين بمعنى المد ** عليه لائح سمات البعد

الفرع الرابع عشر: في كلام أهل العلم في القدر الذي يعطاه كل مسكين من الطعام: اعلم أن العلماء اختلفوا في ذلك، فمذهب مالك أنه يعطي كل مسكين من البر الذي هو القمح مدًا وثلثي مج، وإن كان إطعامه من غير البر كالتمر والشعير، لزمه منه ما يقابل المد والثلثين من البر، قال خليل المالكي في مختصره في إطعام كفارة الظهار: لكل مد وثلثان برًا، وإن اقتاتوا تمرًا ومخرجًا في الفطر فعدله. انتهى محل الغرض منه.
وقال شارحه المواق: ابن يونس ينبغي أن يكون الشبع مدين، إلا ثلثًا بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عيار مد هشام، فمن أخرج به أجزأه، قاله مالك، قال ابن القاسم: فإن كان عيش بلدهم تمرًا أو شعيرًا أطعم منه المظاهر عدل مد هشام من البر. انتهى محل الغرض منه، ومذهب أبي حنيفة: أنه يعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعًا كاملًا من تمر أو شعير. ومذهب الشافعي: أنه يعطي كل مسكين مدًا طلقًا ومعلوم: أن المد النبوي ربع الصاع، قال في المغني: وقال أبو هريرة: ويطعم مدًا من أي الأنواع كان، وبهذا قال عطاء والأوزاعي والشافعي. اهـ. ومذهب أحمد: أنه يعطي كل مسكين مدًا من بر أو نصف صاع من ترم أو شعير. اهـ.
وإذا عرفت مذاهب الأئمة في هذا الفرع، فاعلم أنا أردنا هنا أن نذكر كلام ابن قدامة في المغني في أدلتهم، وأقوالهم قال: وجملة الأمر أن قدر الطعام في الكفارات كلها مد من بر لكل مسكين، ونصف صاع من تمر أو شعير، وممن قال: مد بر زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، حكاه عنهم الإمام أحمد، ورواه عنهم الأثرم، وعن عطاء وسليمان بن موسى. وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس إذا أعطوا في كفارة اليمين، أعطوا مدًا من حنطة بالمد الأصغر مد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو هريرة: يطعم مدًا من أي الأنواع كان، وبهذا قال الأوزاعي وعطاء، والشافعي. لما روى أبو داود بإسناده عن عطاء عن أوس أخي عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه يعني المظاهر خمسة عشر صاعًا من شعير إطعام ستين مسكينًا.
وروى الأثرم بإسناده، عن أبي هريرة في حديث المجامع في رمضان: أن النبي صلى الله عليه وسلم. أوتي بعرق فيه خمسة عشر صاعًا فقال: «خذه وتصدق به» وإذا ثبت في المجامع في رمضان بالخبر ثبت في المظاهر بالقياس عليه، ولأنه إطعام واجب، فلم يختلف باختلاف أنواع المخرج كالفطرة وفدية الأذى. وقال مالك: لكل مسكين مدان من جميع الأنواع، وممن قال مدان من قمح: مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي، لأنها كفارة تشتمل على صيام، وإطعام فكان لكل مسكين نصف صاع كفدية الأذى. وقال الثوري وأصحاب الرأي من القمح مدان ومن التمر والشعير صاع لكل مسكين. لقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سلمة بن صخر رضي الله عنه «فأطعم وسقًا من تمر» رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو داود وغيرهما، وروى الخلال بإسناده، عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خويلة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر» وفي رواية أبي داود، والعَرَق ستون صاعًّا. وروى ابن ماجه بإسناده عن ابن عباس قال: كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس فمن لم يجد فنصف صاع من بر.
وروى الأثرم بإسناده، عن عمر رضي الله عنه قال: أطعم عني صاعًا من تمر أو شعير أو نصف صاع من بر، ولأنه إطعام للمساكين، فكان صاعًا من تمر أو شعير، أو نصف صاع من بر كصدقة الفطر.
ولنا ما روى الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد المدني، قال: جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمظاهر «أطعم هذا فإن مدي شيعر مكان مد بر» وهذا نص ويدل على أنه مد بر أنه قول زيد، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة. ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفًا فكان يدل على أنه نصف صاع من التمر والشعير، ما روى عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخولة امرأة أوس بن الصامت «اذهبي إلى فلان الأنصاري، فإن عنده شطر وسق من تمر أخبرني أنه يريد أن يتصدق به فلتأخذيه فليتصدق به على ستين مسكينًا».
وفي حديث أوس بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني سأعينه بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينًا وارجعي إلى ابن عمك».
وروى أبو داود بإسناده، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: العرق: زنبيل يأخذ خمسة عشر صاعًا. فعرقان يكونان ثلاثين صاعًا لكل مسكين نصف صاع، ولأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام، فكان لكل مسكين نصف صاع من التمر والشعير، كفدية الأذى.
فأما رواية أبي داود: أن العرق ستون صاعًا فق ضعفها، وقال غيرها أصح منها، وفي الحديث ما يدل على الضع، لأن ذلك في سياق قوله: إني سأعينه بعرق، فقالت امرأته: إني سأعينه بعرق آخر، فأطعمي بهما عنه ستين مسكينًا، فلو كان العرق ستين صاعًا لكانت مائة وعشرين صاعًا ولا قائل به، وأما حديث المجامع الذي أعطاه خمسة عشر صاعًا فقال: تصدق به. فيحتمل أنه اقتصر عليه إذ لم يجد سواه، ولذلك لما أخبره بحاجته إليه أمره بأكله.
وفي الحديث المتفق عليه قريب من عشرين صاعًا، وليس ذلك مذهبًا لأحد، فيدل على أنه اقتصر على البعض الذي لم يجد سواه، وحديث أوس أخي عبادة بن الصامت مرسل يرويه عنه عطاء، ولم يدركه على أنه حجة لنا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عرقًا، وأعانته امرأته بآخر، فصارا جميعًا ثلاثين صاعًا، وسائر الأخبار نجمع بينها وبين أخبارنا، بحملها على الجواز. وحمل أخبارنا على الإجزاء، وقد عضد هذا أن ابن عباس: راوي بعضها ومذهبه: أن المد من البر يجزئ. وكذلك أبو هريرة، وسائر ما ذكرنا من الأخبار مع الإجماع الذي نقله سليمان بن يسار والله اعلم. انتهى بطوله من المغني لابن قدامة، وقد جمع فيه أقوال أهل العلم وأدلتهم، وما نقل عن مالك في هذا المبحث أصح منه عنه ما ذكرناه قبله في هذا المبحث.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار في رواية: والعرق ستون صاعًا، هذه الرواية تفرد بها معمر بن عبد الله بن حنظلة. قال الذهبي: لا يعرف، ووثقه ابن حبان، وفيها أيضًا محمد بن إسحاق، وقد عنعن، والمشهور عرفًا أن العرق يسع خمسة عشرًا صاعًا، كما روى ذلك الترمذي بإسناد صحيح من حديث سلمة نفسه. اه منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد رأيت أقوال أهل العلم في قدر ما يعطي المسكين من إطعام كفارة الظهار واختلافها وأدلتهم واختلافها.
وأحوط أقوالهم في ذلك قول أبي حنيفة، ومن وافقه، لأنه أحوطها في الخروج من عهدة الكفارة. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الخامس عشر: في كيفية الإطعام وجنس الطعام ومستحقه، أما مستحقه فقد نص الله تعالى على أنه المسكين في قوله: {فَإطْعَامُ ستّينَ مسْكينًا}.
[المجادلة: 4] والمقرر عند أهل العلم أن المسكين إن ذكر وحده شمل الفقير كعكسه.
وأما كيفيته: فظاهر النصوص أنه يملك كل مسكين قدر ما يجب له من الطعامن وهو مذهب مالك، والشافعي، والرواية عن أحمد، وعلى هذا القول لو غدى المساكين، وعشاهم بالقدر الواجب في الكفارة. لم يجزئه حتى يملكهم إي. اهـ.
وأظهر القولين عندي: أنه إن غدى كل مسكين وعشاه، ولم يكن ذلك الغداء والعشاء أقل من القدر الواجل له، أنه يجزئه، لأنه داخل في معنى قوله: {فَإطْعَامُ ستّينَ مسْكينا} وهذا مروي عن أبي حنيفة، والنخعي، وهو رواية عن أحمد، وقصة إطعام أنس لما كبر، وعجز عن الصوم عن فدية الصيام مشهورة. وأما جنس الطعام الذي يدفعه للمساكين، فقد تقدم في الأحاديث ذكر البر والتمر والشعير، ولا ينبغي أن يختلف في هذه الثلاثة.